ساسي سالم الحاج

151

نقد الخطاب الاستشراقي

إلهك من دون اللّه ؟ فيقول نعم ، افتداء منهم ممّا يبلغون من جهده « 1 » . ناهيك بالعذاب الأليم الذي كان يلحق بالعبيد والموالي والضعفاء الذين لا حماية لهم في المجتمع المكي وقد تواترت الروايات على ذلك . ولقد تجاوز الاضطهاد إلى الرسول ذاته فهو لم يقتصر على شتمه وإلقاء القذورات والأوساخ على بابه وفي طريقه ، بل تعدّاه إلى نثر بعضهم التراب على رأسه وإلى رجمه بالحجارة في الطائف حتى ألجئوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة « 2 » . وقد رتب كل من « وات » و « رودنسون » نتيجة هامة حول نوعية هذا الاضطهاد مفادها أن السبب الدافع إلى الهجرة إلى الحبشة لم يكن راجعا إلى الاضطهاد ولكنه عائد إلى دوافع أخرى أهمها محاولة الرسول تفادي انشقاق كاد يقسم وحدة الجماعة الإسلامية . وقد رأينا كيف لخّص « وات » أسباب الهجرة إلى الحبشة ، وحصرها في خمسة أسباب منها : الهروب من الاضطهاد ، وإن كان هذا السبب لا يراه الدافع الأساسي إلى الهجرة طالما كان الاضطهاد خفيفا رقيقا حسب قوله . ومنها : البعد عن خطر الارتداد . وهذا سبب ربما يكون مقبولا وذلك عند اشتداد الفتنة بالمسلمين وارتداد بعض منهم خوفا ورغبا من العذاب المسلّط عليهم ، وآية ذلك ما ورد في سيرة ابن هشام « فخرج المسلمون عند ذلك من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى أرض الحبشة ، مخافة الفتنة ، وفرارا إلى اللّه بدينهم فكانت أول هجرة في الإسلام » « 3 » . ومنها : ممارسة النشاط التجاري . وهذا السبب ليس وجيها باعتباره السبب الدافع إلى الهجرة إذ لو كانت الأمور بالنسبة إلى هؤلاء المهاجرين مستقرة في مكة ما هاجروا لهذا الغرض ولمارسوا التجارة المعتادة وهم مقيمون بوطنهم . غير أن « وات » أكّد هذا السبب عندما لاحظ أن بعض أولئك المهاجرين قد مارس التجارة بعد هجرته إلى الحبشة . ولكن هذه الممارسة تمت هناك كوسيلة لكسب الرزق وليست سببا دافعا إلى الهجرة . ويبقى السبب الأخير الذي وصفه « وات » بالسعي للحصول على مساعدة حربية من الأحباش ضد قريش ، وذلك مثلما فعل جدّ الرسول عندما استعان بالأحباش ضد بعض العشائر القرشية المناوئة له . وهذا السبب متهافت من أساسه فلا الرسول طلب مساعدة حربية من الحبشة ، ولا جدّه عبد المطلب قد فعل ذلك قبله . ويبقى هذا السبب من ضمن

--> ( 1 ) ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، ص 320 . ( 2 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 1200 . ( 3 ) ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، ص 322 .